كشف التباريح في بيان صلاة التراويح

تأليف

أبي الفضل بن عبد الشكور السنوري

الطوباني رحمه الله تعالى آمين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله الحق المبين، القويّ المتين، الذي أخرج قومًا من ظلمات الجهل، وجعلهم من المهتدين، وترك آخرين في مهامة الضلالات، وجعلهم من الغاوين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المتقين، وأفضل الشافين. وعلى آله وأصحابه أجمعين.

     أما بعد: فهذه رسالة سميتها "كشف التباريح في بيان صلاة التراويح". والذي حملني على تأليفها أني سمعت أن طائفة من الناس قالوا: إن فعل صلاة التراويح عشرين ركعة بدعة مذمومة، خارجة عن السنة، وإن الصواب فعلها ثماني ركعات، معلّلا بأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فلما سمع الناس هذه المقالة، كثر التسائل بينهم عن هذه، وأوقعت كثيرا منهم في الدهشة والحيرة، وكادوا يزيغون عن طريق السلف الصالحين الخيرة، لما كانوا في غفلة وتفريط عن تفتيش أدلة الأحكام في هذه الأزمان المتأخرة، وكانوا في رقدة عن ترقية الهمم إلى معرفة الأدلة المتكاثرة، فناجتني نفسي أن دراكِ الناسَ دراكِ من قبل أن يتردوا في مهاوى الرَدى وحفر الهلاك، فأجبتها مستعينا بالله، ومعتمدا عليه، وهو حسب كل من استند إليه، فأقول مستمدا مما لديه:

 

{الباب الأول: في الأخبار الواردة في صلاة التراويح}

     منها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: {مَنْ قامَ رَمَضانَ إيماناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لهُ ما تَقدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ}. رواه الشيخان وأبو داود وابن ماجه ومالك في الموطاء.

     ومنها ما روته عائشه رضي الله عنها: {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيْتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ}. رواه البخاري ومسلم وأبو داود.

     ومنها ما روته عائشه رضي الله عنها: {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّى فَصَلَّوْا مَعَهُ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا}. رواه البخاري

     ومنها ما روته عائشه رضي الله عنها: {أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ فَصَلّىَ فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلّىَ رِجَالٌ بِصَلاَتِهِ، فَأَصْبَحَ النّاسُ يَتَحَدّثُونَ بِذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فِي اللّيْلَةِ الثّانِيَةِ، فَصَلّوْا بِصَلاَتِهِ، فَأَصْبَحَ النّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِك، فَكَثُرُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللّيْلَةَ الثّالِثَةِ، فَخَرَجَ فَصَلّوْا بِصَلاَتِهِ. فَلَمّا كَانَتِ اللّيْلَةُ الرّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: الصّلاَةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم حَتّى خَرَجَ لِصَلاَةِ الْفَجْرِ. فَلَمّا قَضَىَ الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَىَ النّاس ِ، ثُمّ تَشَهّدَ، فَقَالَ: "أَمّا بَعْدُ. فَإِنّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيّ شَأْنُكُمُ اللّيْلَةَ، وَلَكِنّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلاَةُ اللّيْلِ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا"}. رواه مسلم

     ومنها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: {كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُرَغّبُ في قيَامِ رَمَضانَ مِنْ غَيْرِ أنْ يَأْمُرَهُمْ بِعزِيمةٍ ويقول: "مَنْ قامَ رَمَضانَ إيماناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لهُ ما تَقدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". فَتُوِفّيَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم والأمْرُ علَى ذلِكَ. ثُمّ كانَ الأمرُ كَذَلِكَ في خِلافَةِ أبي بَكْرٍ وصَدْراً مِنْ خِلافَةِ عُمَر}. رواه الشيخان وأبو داود. وفي هذا القدر كفاية.

 

{الباب الثاني: في كيفية صلاة التراويح}

     روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: {مَنْ قامَ رَمَضانَ إيماناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لهُ ما تَقدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ}. قال ابن شهاب: {فَتُوِفّيَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم والأمْرُ علَى ذلِكَ. ثُمّ كانَ الأمرُ عَلَى ذَلِكَ في خِلافَةِ أبي بَكْرٍ وصَدْراً مِنْ خِلافَةِ عُمَر رضي الله عنهما}. قال القسطلاّني: يعني على ترك الجماعة في التراوبح إهـ.

     وروى البخاري في صحيحه ومالكٌ في الموطاء عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: {خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ [أي جماعات متفرقون إهـ قسطلاني] يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاَتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاَءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ. ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَللاَةِ قَارِئِهِمْ. قَالَ عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي يَقُومُونَ،  يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَه}.

     وإذا تأمّلتَ هذين الحديثين عرفت أن ظاهرهما يدل على أن التراويح لا تُصَلَّى جماعةً بعد تلك الليالي الأربع  في زمن النبي صلى الله عليه وسلم  إلى أن جمعهم عمر على إمام واحد. ولذا ذهب بعض العلماء المتقدمين إلى أن فعلها فرادى في البيت أفضل، لكونه عليه الصلاة والسلام واظب على ذلك، وتوفي والأمر على ذلك حتى مضى صدرٌ من خلافة عمر. وقد اعترف عمر رضي الله عنه بأنها [أي الجماعة في التراويح] مفضولة كما مر. وبهذا قال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية. وذهب آخرون إلى أن الأفضل فيها أن تُفْعَل في المسجد جماعةً، لكونه صلى الله عليه وسلم صلى معه ناس في تلك الليالي وأقرهم على ذلك، وإنما تركه لمعنًى قد أمن بوفاته صلى الله عليه وسلم، وهو خشية الإفتراض. وبهذا قال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية.

     وقد روى ابن أبي شَيْبة فعله عن علي وابن مسعود وأُبَيِّ بن كعب وسُوَيْد بنِْ غَفَلَةَ وزَاذَانَ وأبي البَخْتَرِيِّ. واستمر عليه عمل الصحابة وسائرِ المسلمين، وصار من الشعائر الظاهرة كصلاة العيد.

     وأما قول عمر رضي الله عنه: {وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي يَقُومُونَ} فليس فيه ترجيح الإنفراد، ولا ترجيح فعلها في البيت، وإنما فيه ترجيح آخر الليل على أوله كما صرح به الراوى بقوله: {يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ}. ثم لقائل أن يقول: إن المراد بأنها لا تُصَلَّى جماعةً في المسجد بإمام واحد، وإنما فعلها الناس جماعات بأئمة كثيرة، كما أشار إليه الحديث المتقدم ذكره بقوله: {فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ}، ويؤيد ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت: {كَانَ النّاسُ يُصَلّونَ في المَسْجِدِ في رَمَضَانَ أَوْزَاعاً، فأَمَرَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم،  فَضَرَبْتُ لَهُ حَصِيراً فَصَلّى عَلَيْهِ. بِهَذِهِ الْقِصّةِ قالَتْ فيه: قالَ - تَعْنِي - النّبيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيّهَا النّاسُ أما وَالله مَا بِتُّ لَيْلَتِي هَذِهِ بِحَمْدِ الله غَافِلاً، وَلاَ خَفِيَ عَلَيّ مَكَانُكُمْ}، و ما رواه أبو داود في سننه أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: {خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فإِذَا أُنَاسٌ في رَمَضَانَ يُصَلّونَ في نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا هَؤُلاَءِ ؟ فَقِيلَ: هَؤُلاَءِ نَاسٌ لَيْسَ مَعَهُمْ قُرْآنُ وَأُبَيّ بنُ كَعْبٍ يُصَلّي وَهُمْ يُصَلّونَ بِصَلاَتِهِ، فَقَالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا}. قال أبو داود: ليس هذا الحديث بالقويّ، مسلم بن خالد ضعيف  إهـ. وقال شارح الإحياء: والشافعي يوثّقه إهـ.

     ففي هذين الحديثين إثبات الجماعة في التراويح وإبطال قول من زعم أنها محدثة.فإذا عرفتَ ذلك فالذي سماه عمر رضي الله عنه بدعةً بقوله: {نِعْمَتِْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ} إنما هو جمع الناس على إمام واحد في المسجد، لا الجماعة في التراويح. والله أعلم.

 

{الباب الثالث: في عدد ركعات التراويح}

     إذا نظرنا في الأحاديث الواردة في صلاة التراويح التي منها ما قدمناه في البابين الأول والثاني وتأملناها حق التأمل لم نجد فيها نصا على عدد ركعاتها إلا ما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِيْ رَمَضَانَ بِعِشْرِيْنَ رَكْعَةً وَالوِتْرِ}. وما رواه ابن حبان عن جابر: {صَلَّى بِنَا رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيْ رَمَضَانَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ، فلمَّا كانَتْ القَابِلةُ اجْتَمَعْنَا فِيْ المَسْجِدِ وَرَجَوْنَا أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا، ثُمَّ دَخَلْنَا فَقُلْنَا: يا رَسُوْلَ الله} الحديث . وما رواه البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها: {أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَيْفَ كَانَتْ صَلاَةُ رَسُوْلِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ ؟، قَالَتْ: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟. قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِيْ}.

     فهذه الأحاديث الأربعة على تعارضها لا تخلو عن مقال في إسناد بعضها وعن احتمال في البعض الآخر. وإذا تعارضت الأدلة تساقطت ووجب العدول إلى غيرها. وكذا إذا طرأ الإحتمال على وقائع الأحوال كساها ثوبَ الإجمالِ وسقط بها الإستدلال.

     فإذا عرفت ذلك فاعلم أن حديث ابن عباس المذكور ضعفه البيهقي وغيره، وأنه مع ضعفه معارَض بالأحاديث الثرثة المذكورة، فلا تقوم به الحجة. و أما حديث جابر رضي الله عنه فإن كانت القصة فقد احتمل أن جابرا ممن جاء في الليلة الثانية، فلذا اقتصر على وصف ليلتين كاا قاله الزقاني في شرح الموطاء، واحتمل أن جابرا رضي الله عنه جاء إلى المسجد ولم يبق من صلاته صلى الله عليه وسلم إلاّ ثمان ركعات، فأخبر عما أدركه ورآه، مع أنه لم ينف الزائد عليها، بل ولو نفاه أيضا لم تقم به الحجة لذلك الإحتمال كما نفى أنس رضي الله عنه رفْعَه صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء إلا في الإستسقاء، مع أن غيره روى عنه صلى الله عليه وسلم رفع اليدين في غير الإستسقاء، كرفعه صلى الله عليه وسلم يديه عند الدعاء ببدر وغير ذلك، وكما أنكرت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائما، مع أن غيرها روى عنه صلى الله عليه وسلم: أنه أتى سُباطةَ قومٍ فبال قائما كما رواه الشيخان، فلم تقم الحجة بنفي أنس ولا بإنكار عائشة رضي الله عنهما.

     وأما حديث عائشة المتقدم ذكره فمحمول على الوتر، بدليل حديث البخاري عن عُرْوَةَ عن عائشةَ رضي الله عنها أنها أخبرته: {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ، يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُنَادِي لِلصَّلاَةِ}، وحديث الموطاء عن عُرْوَةَ عن عائشةَ زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم : {أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلّي مِنَ الليْلِ إِحْدَىَ عَشْرَةَ رَكْعَةً،  يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا فَرَغَ اضْطَجَعَ عَلَىَ شِقّهِ الأَيْمَنِ}. وبهذا اللفظ أيضا أبو داود.

     ومع هذا الإحتمال عارضه أحاديث أخر، فمنها ما رواه أبو داود عن القاسم بن محمد عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: {كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي مِن اللّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ الْفَجْرِ فَذَلِكَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَة}.

     ومنها ما رواه أبو داود أيضا عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: {كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي مِنَ اللّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِخَمْسٍ لا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْخَمْسِ حتى يَجلِسَ في الاَخِرَةِ فَيُسَلّمَ}.

     ومنها ما رواه الشيخان وأبو داود ومالك في الموطاء وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما: {أَنّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ خَالَتَهُ. قالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حَتّى إِذَا انْتَصَفَ اللّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَجَلَسَ يَمْسَحُ النّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمّ قَرَأَ الْعَشْرَ الاَياتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عمْرَانَ ثُمّ قامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلّقَةٍ فَتَوَضّأَ مِنْهَا فأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمّ قَامَ يُصَلّي. قالَ عَبْدُالله: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، فَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ رَكْعَتَيْنِ، ثمّ رَكْعَتَيْنِ، ثمّ رَكْعَتَيْنِ، ثمّ رَكْعَتَيْن ِ. قالَ الْقَعْنَبِيّ: سِتّ مِرَارٍ، ثمّ أَوْتَرَ، ثمّ اضْطَجَعَ حَتى جَاءَهُ المُؤَذّنُ، فَقَامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثمّ خَرَجَ فَصَلّى الصّبْحَ}. وهذا اللفظ لأبي داود.

     ومنها ما رواه مالك في الموطاء ومسلم وأصحاب السنن عن زيد بن خالد الْجُهَنِيّ أَنّهُ قالَ: {لأَرْمُقَنّ اللَّيْلَةَ صَلاَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قالَ: فَتَوَسّدْتُ عَتَبَتَهُ أَوْ فُسْطَاطَهُ فَقَامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طويلَتَيْن طويلَتَيْن، ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمّ أَوْتَرَ، فَتِلْكَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً}.

     ولو ذهبنا نعدّد الأحاديث المعارضة لحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم ذكره، وهو: {مَا كَانَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّىْ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيْدُ} إلخ. لطال بنا الكلام، وفيما ذكرناه كفاية.

     ولما كانت تلك الأحاديث متعارضة ومحتملة للتأويل لم يقم بها الحجة في إثبات ركعات التراويح لتساقطها، فعدلنا عن الإستدلال بها إلى الدليل القاطع، وهو الإجماع، وهو إجماع المسلمين في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه على فعلها عشرين ركعة. روى البيهقي بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: {كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة}. وروى مالك في الموطأ عن يزيد بن رومان، قال: {كان الناس يقومون في زمان عمر رضي الله عنه بثلاث وعشرين ركعة}، يعنى  أنهم صلوا التراويح عشرين ركعة، ثم أوتروا بثلاث. وروى البيهقي بإسناد صحيح: {أنهم كانوا يقومون على عهد عمر عشرين ركعة وعلى عهد عثمان وعليٍّ بمثله} فصار إجماعا. وقال ابن الهمام: كونها عشرين ركعة  سنة الخافاء الراشدين إهـ.

     وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن الذين صلوا التراويح اليوم ثمان ركعات مخالفون للإجماع، ومخالف الإجماع إن كان في أمر معلوم من الدين بالضرورة فهو كافر، وإلا فهو فاسق، وهم مخالفون أيضا لسنة الخلفاء الراشدين، ومن خالغ سنة الخلفاء الراشدين فقد خالف النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه قال: {فَعَلَيْكم بِسُنّتِي وَسُنّةِ الْخُلَفَاءِ الرّاشِدِينَ المُهْدِيّينَ مِنْ بَعْدِيْ} رواه أبو داود والترمذي.

   [مسألة]: إذا قال قائل: إن عمر رضي الله عنه مخطئ في قوله: {نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ} إذ كيف مدح فعلا هو بدعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ} رواه أبو داود والترمذي.

     فالجواب: أن لفظ البدعة له استعمالان، الأول أن يستعمل إسما لكل ما أحدثه محدث لم يسبقه فيه غيرُه. وهذا لا يحكم بأن جميعه ضلالة، لأن ما أحدثه المحدث إما أن يكون من غير أمر الدين وإما أن يكون من أمر الدين. فإن كان من غير أمر الدين ولم يكن منتهكا لحرمات الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فليس ضلالةً، كاتّخاذ المَنَاخِلِ والأُشْنان والموائد وركوب الدَرَّاجات والسيّارات وغير ذلك. وإن كان من أمر الدين، فإما أن يكون مصادما لقواعد الدين أوْلا، فالمصادم لقواعد الدين هو الضلالة، وفاعله ضالّ. وغير المصادم إمّا أن يكون فيه إذنٌ عامٌ من الشارع أوْلاَ، فالثاني داخل في البدعة المذمومة، والأول إمّا أن يتوقف عليه واجب أو مندوب أو مباح أوْلاَ، فالأول واجب والثاني مندوب والثالث مباح والرابع حسَنٌ. والإستعمال الثاني أن يُسْتَعْمَل إسما لما أُحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم باسم الدين وخالف الكتاب والسنة أو صادم قاعدة من قواعد الشريعة. وهذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: {كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ}.

     فالحاصل أن قوله صلى الله عليه وسلم المذكور ليس على عمومه، بل هو عام مخصوص. قال الزرقاني في شرح الموطاء عند قول عمر رضي الله عنه {نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ}: وصفها بنعمتْ، لأن أصل ما فعله سنة وإنما البدعة المذمومة خلاف السنة. وقال ابن عمر في صلاة الضحى: {نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ}، وقال تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّه}. وأما ابتداع الأشياء من عمل الدنيا فمباح. قال ابن عبد البر: وهذا تصريح منه بأنه أول من جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد، لأن البدعة ما ابتدأ بفعلها المبتدع ولم يتقدمه غيره، فابتدعه عمرُ، وتابعه الصحابة والناس إلى هَلُمَّ جَرَّا، وهذا يبين صحة القول بالرأي والإجتهاد إنتهى. فسماها بدعةً لأنه صلى الله عليه وسلم  لم يَسُنّ لها الإجتماع ولا كان في زمن الصديق. وهي لغة ما أحدث على عير مثال سبق. وتطلق شرعا على مقابل السنة، وهي ما لم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم. ثم تنقسم إلى الأقسام الخمسة. وحديث {كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ} عام مخصوص، وقد رغّب فيها عمر بقوله: {نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ}، وهي كلمة تجمع المحاسن كلها كما أن بئس تجمع المساوي كلها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: {اقتَدُوْا باللَذَيْنِ مِنْ بَعْدِي، أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ}. وإذا أجمع الصحابة على ذلك مع عمر زال عنه اسم البدعة. انتهى ما قاله الزرقاني.

     فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بالإقتداء بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما كنا مطيعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالإقتداء بهما، ومن خالفهما فقد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى أبو داود والترمذي عن العِرْباض بن ساريةَ رضي الله عنه أنه قال: {وَعَظَنا رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم موعظةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوْبُ، وذَرَفَتْ منها العُيُوْنُ، فقلنا: يا رَسُوْلَ اللّه كأنها مَوْعِظةُ مُوَدٍِّع فأوْصِنَا، قَالَ: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإنْ تأمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، وَإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافاً كَثِيراً، فَعَليْكُم بسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْها بالنَّواجِذِ، وَإيَّاكُمْ وَمُحْدَثاتِ الأُمُورِ، فإنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ"}.

     إذا قال قائل: إنما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإقتداء بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وكذا بالخلفاء الراشدين فيما لم يخالفوا فيه السنة فلم يأمرنا بالإقتداء بهم فيه.

     قلنا له: قل لي إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ذلك القول قاله عن جهل أو علمٍ ؟. فإن قال عن جهل، قلنا له: قد قلتَ قولاً يجب تطهير الفم عنه. وإن قال عهن علمٍ، قلنا له: أعَلم رسولُ الله صلى الله ععليه وسلم أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وغيرهما من الخلفاء الراشدين سيخالفون بعده سنته فلا يقتدى بهم في الدين ؟، أم علم أنهم لا يخالفون بعده سنته فيقتدى بهم في الدين ؟ . فإن قال بالأول، قلنا له: لزمك أن تعتقد أنه صلى الله عليه وسلم غاشٌّ لأمته، إذ أمر باقتداء من لا يقتدى به. وإن قال بالثاني، قلنا له: لما منعتنا من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم باقتدائهم ؟. فإن قال: تقتدى بهم فيما لم يخالفوا فيه السنة، قلنا له: لزمك أن تسوّيهم بغيرهم. فما فائدة تخصيصهم بالذكر في الحديثين المذكورين ؟.

     وبالجملة عرفنا مما تقدم أن الذي خطأ عمر رضي الله عنه هو المخطئ على أن الذي سماه عمر بدعةً ليس هو نفسَ فعل التراويح ولا فعلها عشرين ركعة ولا الجماعة فيها، وإنما هو الإجتماع على إمام واحد كما تقدم. فإن تجرّأ متجرّئٌ على تسمية عمر رضي الله عنه مبتدعا بمعنى أنه مخالف للسنة فلا يَشُكُّ عاقل في أنه هو المبتدع. وبهده اللوائح من الكشف والبيان عرفنا سقوط قول القائل: إن فعل التراويح عشرين ركعة بدعة مذمومة، وإن السنة فعلها ثمان ركعات، وإنه ليس في محله، وإن قائله زائغ عن طريق الحق والصواب.

     وفي هذا القدر كفاية لمن منّ الله عليه بالتوفيق والهداية، ولكن من لم يرد الله صلاحه تعبت فيه الأقاويل، ولذا قلنا: وحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. تمت الرسالة بعون الله وتوفيقه في ليلة الثلاثاء، وهو اليوم الرابع والعشرون من شهر رمضان المبارك سنة 1382 من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضلُ الصلاة وأتمّ التسليم، بقلم مؤلفها الفقير إلى مغفرة ربه الغفور أبي الفضل بن عبد الشكور السِنُوْرِيّ الطوباني. غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين.