‏الدر المنثور في التفسير بالمأثور. الإصدار 1,34

للإمام جلال الدين السيوطي

 *** وجدت في: المجلد الأول.

2 - سورة البقرة مدنية وآياتها ست وثمانون ومائتان، إلا آية 281 فنزلت في حجة الوداع.

التفسير.

 

(تابع... 1): قوله تعالى: فاذكروني أذكركم وأشكروا لي ولا تكفرون... ...

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: إن الذين لا تزال ألسنتهم رطبة بذكر الله تبارك وتعالى يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك.

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: لأن أكبر مائة تكبيرة أحب إلي من أن أتصدق بمائة دينار.

وأخرج عبد الله ابنه عن عبد الله بن عمرو قال: ما اجتمع ملأ يذكرون الله إلا ذكرهم الله في ملأ أعز منه وأكرم، وما تفرق قوم لم يذكروا الله في مجلسهم إلا كان حسرة عليهم يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: التكبيرة خير من الدنيا وما فيها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما عمل ابن آدم عملا أنجى له من النار من ذكر الله. قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا أن تضرب بسيفك حتى ينقطع، ثم تضرب بسيفك حتى ينقطع، ثم تضرب حتى ينقطع".

وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال: لأن اذكر الله من غدوة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أحمل على الجياد في سبيل الله من غدوة حتى تطلع الشمس.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبادة بن الصامت قال: لأن أكون في قوم يذكرون الله من حين يصلون الغداة إلى حين تطلع الشمس أحب إلي من أن أكون على متون الخيل أجاهد في سبيل الله إلى أن تطلع الشمس، ولأن أكون في قوم يذكرون من حين يصلون العصر حتى تغرب الشمس أحب إلي من أن أكون على متون الخيل أجاهد في سبيل الله حتى تغرب الشمس.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال: إذا كان العبد يحمد الله في السراء ويحمده في الرخاء فأصابه ضر دعا الله قالت الملائكة: صوت معروف من امرئ ضعيف فيشفعون له، فإذا كان العبد لا يذكر الله في السراء ولا يحمده في الرخاء فأصابه ضر فدعا الله قالت الملائكة: صوت منكر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أشد الأعمال ثلاثة، ذكر الله على كل حال، والإنصاف من نفسك، والمواساة في المال".

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: إن أهل السماء ليرون بيوت أهل الذكر تضيء لهم كما يضيء الكوكب لأهل الأرض.

وأخرج البزار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر، فإذا أتوا عليهم حفوا بهم، ثم بعثوا رائدهم إلى السماء إلى رب العزة تبارك وتعالى فيقولون: ربنا أتينا على عباد من عبادك يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم. فيقول تبارك وتعالى: غشوهم برحمتي، فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم".

وأخرج أحمد عن ابن عمر قال: قلت: يا رسول الله ما غنيمة مجالس الذكر؟ قال: غنيمة مجالس الذكر الجنة.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار وأبو يعلى والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الدعوات عن جابر قال "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر، فارتعوا في رياض الجنة. قالوا: وأين رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر، فاغدوا وروحوا في ذكر الله وذكروه أنفسكم، من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر الله كيف منزلة الله عنده، فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه".

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قال: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر".

وأخرج الطبراني عن عمرو بن عبسة"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين رجال ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغشي بياض وجوهم نظر الناظرين، يغبطهم النبيون والشهداء بمقعدهم وقربهم من الله. قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: هم جماع من نوازع القبائل، يجتمعون على ذكر الله تعالى فينتقون أطايب الكلام كما ينتقي آكل التمر أطايبه".

وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء قال "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليبعثن الله أقواما يوم القيامة في وجوهم النور على منابر اللؤلؤ يغبطهم الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء. فقال أعرابي: يا رسول الله صفهم لنا نعرفهم؟ قال: هم المتحابون في الله من قبائل شتى وبلاد شتى، يجتمعون على ذكر الله يذكرونه".

وأخرج الخرائطي في الشكر عن خليد العقري قال: إن لكل بيت زينة، وزينة المساجد الرجال على ذكر الله.

وأخرج البيهقي في الدعوات عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: أتحبون أيها الناس أن تجتهدوا في الدعاء؟ قالوا: نعم. قال: قولوا: اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".

وأخرج أحمد في الزهد عن عمرو بن قيس قال: أوحى الله إلى داود إنك إن ذكرتني ذكرتك وإن نستني تركتك، واحذر أن أجدك على حال لا أنظر إليك فيه.

وأخرج عبد الله ابنه في زوائده عن معاوية بن قرة عن أبيه أنه قال له: يا بني إذا كنت في قوم يذكرون الله فبدت لك حاجة فسلم عليهم حين تقوم، فإنك لا تزال لهم شريكا ما داموا جلوسا.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جعفر قال: ما من شيء أحب إلى الله من الذكر والشكر.

أما قوله تعالى {واشكروا لي ولا تكفرون}

أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن المنكدر قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن أبي الدنيا والبيهقي عن معاذ قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم"إني أحبك لا تدعن أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على شكرك وشكرك وحسن عبادتك".

وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي الجلد قال: قرأت في مساءلة موسى عليه السلام. أنه قال: يا رب كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا يجازي بها عملي كله؟ فأتاه الوحي: أن يا موسى الآن شكرتني.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن سليمان التيمي قال: إن الله عز وجل أنعم على العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرهم.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الملك بن مروان قال: ما قال عبد كلمة أحب إليه وابلغ من الشكر عنده من أن يقول: الحمد لله الذي أنعم علينا وهدانا للإسلام.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الأصبغ بن نباتة قال: كان علي رضي الله عنه إذا دخل الخلاء قال: بسم الله الحافظ من المؤذي، وإذا خرج مسح بيده على بطنه ثم قال: يا لها من نعمة لو يعلم العباد شكرها.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: إن الله ليمنع النعمة ما شاء، فإذا لم يشكر قلبها عذابا.

وأخرج ابن أبي الدنيا والخرائطي كلاهما في كتاب الشكر والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما أنعم الله على عبده من نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها قبل أن يحمده، وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له ذلك قبل أن يستغفره، إن الرجل ليشتري الثوب بالدينار فيلبسه فيحمد الله فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له".

وأخرج البيهقي في الشعب عن علي رضي الله عنه قال: من قال حين يصبح: الحمد لله على حسن المساء، والحمد لله على حسن المبيت، والحمد لله على حسن الصباح، فقد أدى شكر ليلته ويومه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والبيهقي عن عبد الله: أدى شكر ليلته ويومه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا البيهقي عن عبد الله بن سلام قال: قال موسى عليه السلام: يا رب ما الشكر الذي نبغي لك؟ قال: لا يزال لسانك رطبا من ذكري. قال: فإنا نكون من الحال إلى حال نجلك أن نذكرك عليها، قال: ما هي؟ قال: الغائط، وإهراق الماء من الجنابة، وعلى غير وضوء. قال: كلا. قال: يا رب كيف أقول؟ قال: تقول سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، فجنبني الأذى سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت فقني من الأذى.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن اسحق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن رجلا كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم عليه، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له، فجاء يوما فقال له النبي صلى الله عليه وسلم"كيف أنت يا فلان؟ قال: بخير إن شكرت. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الرجل: يا نبي الله كنت تسألني وتدعو لي، وإنك سألتني اليوم فلم تدع لي؟ قال: إني كنت أسألك فتشكر الله، وإني سألتك اليوم فشككت في الشكر".

عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. أنه ان يقول في دعائه: أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضا.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي حازم، أن رجلا قال له: ما شكر العينين؟ قال: إن رأيت بهما خيرا أعلنته، وإن رأيت بهما شرا سترته. قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت خيرا وعيته، وإن سمعت بهما شرا أخفيته. قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقا لله عز وجل هو فيهما. قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعاما، وأعلاه علما. قال: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال الله عز وجل (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) (المؤمنون الآية 6) إلى قوله (فأولئك هم العادون) قال: فما شكر الرجلين؟ قال: إن رأيت حيا غبطته بهما عملته، وإن رأيت ميتا مقته كففتهما عن عمله وأنت شاكر لله عز وجل، فأما من شكر بلساه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر.

وأخرج البيهقي في الشعب عن علي بن المديني قال: قيل لسفيان بن عينية: ما حد الزهد؟ قال: أن تكون شاكرا في الرخاء صابرا في البلاء، فإذا كان كذلك فهو زاهد. قيل لسفيان: ما الشكر؟ قال: أن تجتنب ما نهى الله عنه.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عمر بن عبد العزيز قال: قيدوا نعم الله بالشكر لله عز وجل، شكر الله ترك المعصية.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن محمد بن لوط الأنصاري قال: كان يقال: الشكر ترك المعصية.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن مخلد بن حسين قال: كان يقال: الشكر ترك المعاصي.

وأخرج البيهقي عن اجنيد قال: قال السري يوما: ما الشكر؟ فقلت له: الشكرعندي أن لا يستعان على المعاصي بشيء من نعمه.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن سفيان بن عينية قال: قيل للزهري ما الزاهد؟ قال: من لم يغلب الحرام صبره، ولم يمنع الحلال شكره.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: الشكر يأخذ بجرم الحمد وأصله وفرعه، فلينظر في نعم من الله في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك، ليس من هذا شيء إلا وفيه نعمة من الله حق على العبد أن يعمل بالنعم اللاتي هي في يديه لله عز وجل في طاعته ونعم أخرى في الرزق، وحق عليه أن يعمل لله فيما أنعم به عليه من الرزق في طاعته، فمن عمل بهذا كان أخذ بجرم الشكر وأصله وفرعه.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عامر قال: الشكر نصف الإيمان، والصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله. وقال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سئل الأستاذ أبو سهل محمد بن سليمان الصعلوكي عن الشكر والصبر أيهما أفضل؟ فقال: هما في محل الاستواء، فالشكر وظيفة السراء، والصبر فريضة الضراء.

وأخرج الترمذي وحسنه وابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "للطاعم الشاكر من الأجر مثل ما للصائم الصابر".

وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال: من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل عمله وحضر عذابه.

وأخرج البيهقي عن الفضيل بن عياض قال: عليكم بالشكر فإنه قل قوم كانت عليهم من الله نعمة فزالت عنهم ثم عادت إليهم.

وأخرج البيهقي عن عمارة بن حمزة قال: إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر.

وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من نظر في الدين إلى من فوقه وفي الدنيا إلى من تحته كتبه الله صابرا شاكرا، ومن نظر في الدين إلى من تحته ونظر في الدنيا إلى من فوقه لم يكتبه الله صابرا ولا شاكرا".

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده"سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خصلتان من كانتا فيه كتبه الله صابرا شاكرا، ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله صابرا ولا شاكرا، من نظر في دينه إلى من فوقه فاقتدى به، ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فاسف على ما فاته لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا".

وأخرج مسلم والبيهقي عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"عجبا لأمر المؤمن كله خير إن أصابته سراء فشكر كان خيرا، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا".

وأخرج النسائي والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عجبت للمؤمن إن أعطي قال: الحمد لله فشكر، وإن ابتلي قال: الحمد لله فصبر، فالمؤمن يؤجر على كل حال، حتى اللقمة يرفعها إلى فيه".

وأخرج البيهقي وضعفه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كانت فيه ثلاث أدخله الله في رحمته، وأراه محبته، وكان في كنفه: من إذا أعطي شكر، وإذا قدر غفر، وإذا غضب فتر".

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي وضعفه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاث من كن فيه آواه الله في كنفه، وستر عليه برحمته، وأدخله في محبته. قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: من إذا أعطي شكر، وإذا قدر غفر، وإذا غضب فتر".

وأخرج أبو داود والنسائي وابن أبي الدنيا في الشكر والفريابي في الذكر والمعمري في عمل اليوم والليلة والطبراني في الدعاء وابن حبان والبيهقي والمستغفري كلاهما في الدعوات عن عبد الله بن غنام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته".

(يتبع...)‏